طالبت في مناسبات عديدة، عبر مقالات صحافية، ولقاءات فضائية، بضرورة أن يتصدى أحبتنا الشرعيون لبعض القضايا والمشكلات المجتمعية التي هي في صميمها تقاليد وأعراف قبلية، لكنها ألبست لبوس الدين، وظُنّ مع مرور الزمن والتعاطي معها أنها ممارسات تستند إلى أسس شرعية، طالما لم يطالب بتغييرها الدعاة والعلماء، وأن من تصدر للمطالبة بتغييرها هم كتاب الزوايا أو ممن ينتسبون لتيارات فكرية أخرى فقط.
ولعلي أدلل لسطوري في مثالَي؛ حرمان المرأة من ميراثها في الأراضي، وهي شائعة في منطقة الجنوب، وأيضا تلك الطبقية المقيتة (الخضيري/ القبيلي أو 110/ 220) وتجذرها في المجتمع دونما تصدٍ حقيقي من سادتي العلماء أو الدعاة، بل كرسها القاضي الشرعي -يغفر الله له- حتى جاء تدخل والدنا خادم الحرمين الشريفين التاريخي ليعيد الأمور لنصابها.
هناك جُملة من القضايا من المفترض أن يتصدر إخوتي الشرعيون المطالبة لإيجاد قوانين لحلها وتنظيمها، كمشاكل العضل التي باتت أقرب للظاهرة، فلا أفهم كيف تفقد المرأة أخصب فترات عمرها معلقةً لمدد تصل إلى العشرة والعشرين عاما لمجرد أنها لا تريد العودة لزوج يضربها أو يؤذيها نفسيًا وبدنيًا، وتطالب بالخلع ويرفض الزوج المأفون عنتًا واستكبارًا، فيما المجتمع لا يلقي لهذه المسكينة بالاً ولا اهتمامًا، وهي التي تموت بصمت وبطء وتتلاشى أزهى سني حياتها أمام تواطؤ المجتمع برمته.
مثل هذه القضايا كان الأجدر بأحبتنا الشرعيين المسارعة لتبنيها والمناداة بوضع حلول ناجعة لها، وتصدرها أولوياتهم الدعوية، فالمجتمع متدين وينقاد إلى من يتوسل الخطاب الشرعي ومن يدعو باسمه، ووالله لأكبر أولئك الكتاب الذين بادروا –غيرة وحمية لا توظيفا في الاحتراب الفكري- وكتبوا بشهامة منهم، وانتصروا للضعفاء وإماء الله.
وها نحن نعيش اليوم في إعلامنا وساحتنا القضائية مشكلة من تلك المشاكل التي تتكرر، وقصدت بها (زواج القاصرات)، بعد أن فجرتها فتاة القصيم، إلا أن المسكوت عنه مهول، ولست بالمبالغ هنا، فمعظمنا يستمع إلى تلك القصص عن أرياف منطقة جازان العزيزة وبعض مناطق الجنوب، إضافة لمناطق البادية الشائع فيها التعدد، وتذهل وأنت تنصت إلى بعض من يتفاخر بمثل هذه الزيجات التي أتته كهبة من والد البنت الصغيرة، وهو في مجلس معه كنوع من إكرامه، أو كانت المسكينة صفقة جائرة لآباء لم يتقوا الله في طفولتها وإنسانيتها، أو حتى أولئك الآباء الذين اضطروا اضطرارا للدفع بابنتهم تحت طائلة العوز أو الفقر.
ناقشت ثلة شرعيين حول هذه القضية، وكنت أطرح عليهم؛ هل تتحقق مقاصد الزواج من الحياة والسكن والألفة والمودة والإنجاب في مثل هذه الزيجات؛ وبينهما فارق عمري يصل للخمسين أو الستين عاما، وكان يرد بعضهم متكئين على زواج نبينا الأعظم -فداه أبي وأمي- محمد صلى الله عليه وسلم من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ويشهرونه في وجه كل متسائل أو معارض، غير أنني كنت أطرح عليهم موضوع سنّ النضج، وهل تقارن فتاة اليوم بما كان في الأزمنة الماضية، ونقرأ كيف أن شابا في السادسة عشرة من عمره، اسمه محمد بن القاسم فتح الهند والسند، فيما تجيل بنظرك إلى أجيال شبابنا اليوم وتقارنهم بفتيان تلكم العصور، فلا تملك إلا أن تحوقل وتسترجع.
قضية زواج القاصرات هي من القضايا التي من الممكن تنظيمها من لدن ولي الأمر، وليست من صنف القضايا المقطوعة -بما أخبرني أحد القضاة المتخصصين- وهي تدخل تحت القاعدة الشرعية "تقييد المباح"، ويمكن لولي الأمر هنا أن ينظم هذه المسألة تحت باب "السياسة الشرعية" بما يقول به أهل الاختصاص. وقد قام مشكورا معالي وزير العدل الدكتور محمد العيسى برفع توصية إلى المقام السامي بخصوص تنظيم هذا الزواج، فليت أحبتنا الشرعيين، وفي مقدمتهم علماؤنا، يساندون هذا السعي ودعمه لخير المجتمع وصونا لسمعة الشريعة الإسلامية التي نحتكم عبادة واعتزازا وفخرا؛ لأن ترك مثل هذه القضايا في عصر القرية العالمية الواحدة دون تنظيم، لربما يؤدي إلى ممارسات خاطئة -وحتما ستحدث- ويهتبلها الإعلام الغربي المترصد ليصنع منها قضية ضد شريعتنا الإسلامية وضد وطننا بأننا ننتهك حقوق الطفولة والإنسان باسم الدين، إضافة إلى أن ترك مثل هذه الأمور بأيدي الناس قد يصل بهم الأمر للوصول إلى ما هو أبعد بمثل ما قرأنا من فتاوى لبعض طوائف المسلمين وقد انتهى فقهاؤهم إلى تجويز مفاخذة الرضيعة!!.
أختم سطوري هنا بتعليق مفتي مصر الدكتور علي جمعة الذي أكد في الأسبوع الماضي أن الأب الذي يزوج ابنته القاصر برجل في عمر جدها يعتبر فاسقًا وتسقط ولايته على أبنائه، وطالب جمعة بضرورة عقاب الأب والأم والوسيط والمحامي والزوج، وأن يكون العقاب رادعًا لمواجهة هذه الظاهرة.